ابن قيم الجوزية

14

تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )

ومنهم من يمر كالريح ، ومنهم من يمر كشدّ الركاب ، ومنهم من يسعى سعيا ، ومنهم من يمشي مشيا ، ومنهم من يحبو حبوا ، ومنهم المخدوش المسلّم ، ومنهم المكردس في الناس . فلينظر العبد سيره على ذلك الصراط من سيره على هذا ، حذو القذّة بالقذة جزاء وفاقا هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ . فسؤال الهداية متضمن لحصول كل خير ، والسلامة من كل شر . الموضع السابع : من معرفة نفس المسؤول ، وهو الصراط المستقيم . ولا تكون الطريق صراطا حتى تتضمن خمسة أمور : الاستقامة ، والإيصال إلى المقصود ، والقرب ، وسعته للمارين عليه ، وتعيّنه طريقا للمقصود . ولا يخفى تضمن الصراط المستقيم لهذه الأمور الخمسة . ولينظر الشبهات والشهوات التي تعوقه عن سيره على هذا الصراط المستقيم . فإنها الكلاليب التي بجنبتي ذاك الصراط ، تخطفه وتعوقه عن المرور عليه . فإن كثرت هنا وقويت فكذلك هي هناك وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ . فوصفه بالاستقامة يتضمن قربه ، لأن الخط المستقيم هو أقرب خط فاصل بين نقطتين . وكلما تعوج طال وبعد . واستقامته تتضمن إيصاله إلى المقصود ونصبه لجميع من يمر عليه يستلزم سعته . وإضافته إلى المنعم عليهم ، ووصفه بمخالفة صراط أهل الغضب والضلال يستلزم تعينه طريقا . والصراط : تارة يضاف إلى اللّه ، إذ هو الذي شرعه ونصبه ، كقوله تعالى : 6 : 153 وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً وقوله : 42 : 52 وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ : صِراطِ اللَّهِ وتارة يضاف إلى العباد ، كما في الفاتحة لكونهم أهل سلوكه . وهو المنسوب لهم . وهم المارون عليه . الموضع الثامن : من ذكر المنعم عليهم ، وتمييزهم عن طائفتي الغضب والضلال فانقسم الناس بحسب معرفة الحق والعمل به إلى الأقسام الثلاثة . لأن العبد إما أن يكون عالما بالحق ، أو جاهلا به . والعالم بالحق